كيف تنتهج الصين “دبلوماسية فخ الديون” من أجل توسيع رقعة نفوذها الاستراتيجي
بقلم/ نرمين عبد الهادي
هل سمعت عن “دبلوماسية فخ الديون”؟ إنه مصطلح يُنسب إلى الاستراتيجي الهندي براهما تشيلاني، ويستخدم لانتقاد السياسة الخارجية للحكومة الصينية، التي تقدم قروضا مفرطة للدول النامية بنية تمويل مشاريع البنية التحتية ثم الاستيلاء على الأصول الاستراتيجية للدولة المدينة كضمان للقروض، في حال العجز عن السداد.
نشر موقع أوراسيا تايمز الإخباري تحليلًا للكاتب يونس دار، تناول فيه بالتفصيل الدبلوماسية التي تنتهجها الصين مع معظم دول العالم الثالث عمومًا، ودول الحزام والطريق خصوصًا، والقائمة على تقديم قروض مُيسرة للغاية لهذه الدول لبناء مشروعات عملاقة وباهظة التكاليف؛ الأمر الذي أوقع عدة دول أسيوية فريسة لتقديم تنازلات سيادية إلى الصين نتيجة عجزها عن السداد، وينذر بوقوع المزيد من الضحايا.
وحسب الكاتب، فإن أحدث ضحية لدبلوماسية فخ الديون الصينية هي دولة لاوس الصغيرة الغنية بالموارد، والتي يُقال إنها تكافح لتجنب الوصول إلى مرحلة الإفلاس السيادي (فشل حكومة دولة سيادية في سداد دينها بالكامل، وقد يرافقه إعلان رسمي بعدم السداد لديونها المستحقة، ويطلق عليه أحيانًا التعثر القومي عندما يكون إجمالي الديون أكبر من إجمالي الأصول).
وذكرت وكالة «رويترز» مؤخرًا أن الدولة الواقعة في جنوب آسيا تُسلم حاليًا الجزء الأكبر من السيطرة على شبكة الطاقة الكهربائية الوطنية لشركة شبكة الطاقة الصينية الجنوبية (China Southern Power Grid Company)، وهي مؤسسة مملوكة للدولة الصينية ومقرها في مدينة قوانجتشو. وبحسب ما ورد، انخفض احتياطي النقد الأجنبي لدولة لاوس إلى أقل من مليار دولار؛ مما يوفر فرصة مثالية للصين لإيقاع لاوس في مصيدة عروضها الاستثمارية المُغرية في البلاد.
بعض الأمثلة الأخرى التي أصبحت غارقة في فخ الديون الصينية:
ميناء مومباسا
كينيا اضطرت لرهن أكبر وأهم مرفأ بها “ميناء مومباسا” للحكومة الصينية، وذلك بسبب قروضها المتراكمة، حيث بلغ حجم الديون أكثر من 5.5 مليارات دولار، مما يضع كينيا ضمن الدول الأكثر عرضة لفقدان الأصول الإستراتيجية لصالح بكين.
المالديف وبنغلاديش
تقدر ديون الصين لجزر المالديف بمبلغ 1.3 مليار دولار (أي أكثر من ربع إجمالي الناتج المحلي السنوي) وقد استأجرت بكين إحدى جزرها لمدة خمسين عاما وبعد استلام إبراهيم صلح الرئاسة أخذ على عاتقه مراجعة الإنفاقات مع الجانب الصيني، ووصفها بأنها مشروع للـ”استيلاء على أراضي الدولة”.
سيريلانكا
والتي سلمت ميناء “هامبانتوتا”، الاستراتيجي على الساحل الجنوبي للبلاد إلى الصين بموجب عقد إيجار لمدة 99 عامًا عندما واجهت صعوبة في سداد قرضها الأولي للميناء. ولكن قالت كولومبو -العاصمة الاقتصادية لسيريلانكا- إنها لن تغير نهجها تجاه الصين.
طاجيكستان
التي استمرت منذ عام 2006 في الاقتراض من الدولة الغنية بالسيولة النقدية التي يحكمها الشيوعيون حتى اضطرت إلى التنازل عن أراضي مساحتها 1158 كيلومترًا مربعًا من جبال بامير إلى الصين.
وفي أعقاب ذلك حصلت الشركات الصينية على حقوق استخراج الذهب، والفضة، وخامات المعادن الأخرى من المنطقة.
قيرغيزستان
الدولة المجاورة للصين، والتي تعاني من الديون وسط حالة من عدم الاستقرار السياسي في البلاد اضطرت إلى مد يدها إلى بكين الشهر الماضي طلبًا للمساعدة. ويمتلك بنك التصدير والاستيراد الصيني (Eximbank) أكثر من خمسَيْ الدين الخارجي لقيرغيزستان الذي يبلغ ما يقارب 4 مليارات دولار، ومول البنك مشروعات النقل والطاقة الرئيسة في البلاد.
وتحدث مراقبون عن كيفية قيام بكين بتوسيع وجودها وتأثيرها في جنوب آسيا أيضًا من خلال ضخ مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية باهظة الثمن التي تخدم في الغالب المصالح الاستراتيجية لبكين، ويجب أن تنفذها الشركات الصينية والعمال الصينيون، ذلك مثل الممر الاقتصادي الصيني في باكستان، الذي ستدفع تكاليفه إسلام آباد في النهاية، أو مشاريع السكك الحديدية والميناء في أعماق البحار على طول الممر الاقتصادي المؤدي إلى ميانمار الذي سيربط المناطق الداخلية الجنوبية الغربية للصين بالمحيط الهندي.
وقال الخبير أندريه دوفنهيج الأستاذ في جامعة نورث وست بجنوب أفريقيا يقول “في النهاية، ستطلب الصين من الدول المتعثرة عن سداد ديونها أشكالًا أخرى من إعادة الدفع، مثل الموانئ والأراضي”. وأعرب عن اعتقاده بأنه على المدى البعيد، ربما تبدأ الصين التأثير على القرارات الاقتصادية والسياسية لدول أفريقية محددة.
ولكن ماذا عن العالم العربي؟
في الجزائر تأتي الاستثمارات الصينية في قطاع البناء بحوالي 1.2 مليار دولار، والزراعة خمسمئة مليون والباقي في قطاع الخدمات.
أما في مصر فقد أكدت سحر نصر وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي أن القاهرة وبكين وقعتا صفقات بقيمة 18 مليار دولار في إطار مبادرة “الحزام والطريق”.
في جيبوتي من المتوقع أن تبلغ الديون 88% من جملة ناتجها المحلي البالغ 1.72 مليار دولار، وأغلبها ديون للصين، وربما تواجه هي الأخرى احتمال تسليم الصين بعضا من أصولها لتسديد دينها.
ويبقى السؤال مطروحا هنا.. هل ستقع الدول العربية ضحية “فخ الديون الصينية” أيضا؟
المصدر: أوراسيا تايمز ورويترز والجزيرة
(المقال يمثل رأي صاحبه وليس بالضرورة رأي الموقع)
