شح المياه يهدد باندثار «مضايف القصب» في أهوار الجبايش وتغيير مسار الأنهار في إيران يفاقم المعاناة في جنوب العراق
تُعتبر صناعة المضايف من القصب واحدة من أعرق وأقدم الحرف التراثية في جنوب العراق، حيث تعكس هوية وثقافة المنطقة، وتمثل جزءاً من التراث الذي توارثته الأجيال على مر العصور. وتُعد المضايف جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية في أهوار الجبايش، فهي ليست مجرد مكان لاستقبال الضيوف، بل تمثل رمزاً للضيافة العربية الأصيلة والموروث الشعبي. لكن اليوم، تواجه هذه الحرفة التقليدية خطر الاندثار بسبب عدة عوامل أبرزها شح المياه وتغيير مسار الأنهار، الأمر الذي يهدد بكارثة بيئية وثقافية في آن واحد.
المضايف: رمز للضيافة العراقية
تُصنع المضايف من نبات القصب الذي يزرع في الأهوار العراقية، ويمثل القصب المادة الأساسية التي يعتمد عليها الحرفيون في صناعة هذه الهياكل الفريدة. يعود تاريخ هذه الحرفة إلى مئات السنين، حيث يتم استخدام القصب لعدة أغراض أبرزها بناء البيوت التقليدية والمساجد، فضلاً عن تصنيع المضايف التي تُستخدم لاستقبال الزوار في المناسبات والاحتفالات.
إن المضايف ليست مجرد مكان للاستقبال، بل تشكل عنصراً مهماً من الثقافة الاجتماعية في المنطقة. يرتبط هذا التقليد ارتباطاً وثيقاً بالعادات العربية في الضيافة والكرم، حيث يستقبل أهل الجنوب ضيوفهم في المضايف المصنوعة بعناية، مما يجعلها رمزاً أصيلاً للتراث العراقي.
شح المياه وتراجع القصب
في السنوات الأخيرة، تسببت أزمة شح المياه في تراجع كبير في نمو نبات القصب في الأهوار. ويعود السبب الرئيسي لهذه الأزمة إلى نقص المياه في الأنهار التي كانت تغذي الأهوار تاريخياً، سواءً بسبب التغيرات المناخية أو بسبب القرارات السياسية والبيئية التي اتخذتها دول الجوار. كان العراق يعتمد بشكل رئيسي على مياه نهري دجلة والفرات، لكن جفاف الأنهار وتغيير مساراتها في دول مثل إيران، أدى إلى تقليص تدفق المياه إلى الأراضي العراقية، مما أثر بشكل مباشر على الزراعة في المناطق الجنوبية.
إن تراجع كمية المياه الجوفية والسطحية في الأهوار يؤدي إلى تدهور بيئة القصب، حيث يصبح من الصعب زراعته بشكل فعال. في المقابل، تزداد صعوبة الحصول على القصب المستدام والملائم للاستخدام في صناعة المضايف، مما يهدد باندثار هذه الحرفة العريقة التي تعتمد على هذه المادة الطبيعية.
تغيير مسار الأنهار في إيران وتأثيره على العراق
ليس فقط شح المياه في العراق هو ما يعزز من تفاقم المشكلة، بل هناك أيضاً سياسات المياه التي تتبعها دول الجوار، وخاصة إيران، والتي تقوم بتغيير مسار أكثر من 30 نهراً تتدفق عبر العراق. هذه السياسات تؤدي إلى تقليل كمية المياه المتدفقة إلى الأنهار العراقية، وبالتالي تقليص مساحة الأراضي الزراعية المروية، وهو ما يهدد حياة العديد من الحرفيين والمزارعين في المناطق الجنوبية.
وتعد إيران من أكبر المتحكمين في منابع الأنهار التي تمر عبر العراق، وخاصة في منطقة جنوب العراق حيث الأهوار. وعلى الرغم من التحديات البيئية والسياسية في هذا المجال، إلا أن العراق يواجه صعوبات كبيرة في التفاوض مع دول الجوار حول حصة المياه. هذا التغيير الجذري في مجرى الأنهار يعمق الأزمة ويزيد من معاناة المجتمعات المحلية في أهوار الجبايش والجنوب العراقي.
المصدر: وكالات
