اتجاه الدول العربية للانخراط في الحوار والدبلوماسية وبناء شراكات اقتصادية وسياسية مع المجتمع الدولي بعد تراجع النفود الإيراني

0
اتجاه الدول العربية للانخراط في الحوار والدبلوماسية وبناء شراكات اقتصادية وسياسية مع المجتمع الدولي بعد تراجع النفود الإيراني

خلال السنوات الأخيرة، بات واضحاً أن إيران لم تعد القوة الإقليمية القادرة على إدارة ودعم أذرعها في الشرق الأوسط كما في السابق. فشبكة الجماعات التي طالما اعتمدت عليها طهران لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري تمرّ اليوم بحالة وهن غير مسبوقة، في وقت تنشغل فيه إيران بأزماتها الداخلية المتفاقمة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، ما انعكس مباشرة على قدرتها على التمويل والدعم والحماية.

إيران أضعف من أي وقت مضى

تعاني إيران من ضغوط هائلة؛ عقوبات خانقة، اقتصاد مترنّح، احتجاجات شعبية متكررة، وتراجع حاد في قيمة العملة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. هذه العوامل مجتمعة جعلت قدرة النظام الإيراني على الاستمرار في تمويل حلفائه الإقليميين أكثر صعوبة، بل وأحياناً مستحيلة. ومع كل أزمة جديدة، يتضح أن الأولوية باتت لبقاء النظام نفسه، لا لحماية أو إنقاذ أذرعه في الخارج.

وقد كشفت التطورات الأخيرة أن طهران، رغم خطابها التصعيدي، لم تتدخل بشكل حاسم عندما تعرضت جماعات مرتبطة بها لضربات قاسية، سواء سياسياً أو عسكرياً. هذا التراجع أضعف صورة “الداعم الذي لا يتخلى”، وفتح الباب أمام تساؤلات داخل تلك الجماعات نفسها حول جدوى الارتهان لمشروع لم يعد قادراً على الوفاء بوعوده.

أذرع بلا مظلة حقيقية

الجماعات المرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة تواجه اليوم واقعاً جديداً: لا غطاء دولي، ولا قدرة إيرانية على المواجهة المباشرة، ولا استعداد لتحمل كلفة صراعات مفتوحة. ومع انكشاف محدودية الدعم الإيراني، باتت هذه الأذرع أكثر عزلة، وأكثر عرضة للضغوط الداخلية والخارجية، في وقت تزداد فيه الأصوات المحلية الرافضة لتحويل أوطانها إلى ساحات صراع بالوكالة.

الطريق الآخر…

على الضفة الأخرى، اختارت دول عدة في الشرق الأوسط مساراً مختلفاً يقوم على تغليب مصلحة الدولة، والانخراط في الحوار والدبلوماسية، وبناء شراكات اقتصادية وسياسية مع المجتمع الدولي. بعض هذه الدول اتجه نحو اتفاقيات سلام، وأخرى فتحت قنوات تواصل مع الغرب، أو أعادت ترتيب أولوياتها بعيداً عن منطق المواجهة الدائمة.

هذه الخيارات لم تكن سهلة، لكنها عكست فهماً جديداً لمعادلات القوة في العالم: التنمية والاستقرار والاقتصاد القوي باتت أدوات نفوذ أكثر فاعلية من السلاح والشعارات. والنتيجة أن هذه الدول استطاعت تحسين أوضاعها الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتخفيف حدة الأزمات، بينما بقيت الدول المرتبطة بالمحور الإيراني أسيرة الفوضى والتوتر.

تحوّل في ميزان النفوذ

ما يحدث اليوم يشير إلى تحوّل عميق في ميزان النفوذ الإقليمي. فمشروع “تصدير الثورة” الذي اعتمد على السلاح والميليشيات يبدو في حالة تراجع، مقابل صعود نموذج الدولة التي تبحث عن مصالح شعبها، وتتعامل ببراغماتية مع محيطها والعالم.

وبالنهاية فإن إيران اليوم أضعف من أن تكون مظلة حقيقية لأذرعها في الشرق الأوسط، بينما المنطقة تمضي، ولو ببطء، نحو منطق جديد عنوانه الحوار، والسلام، وبناء الدولة. وبين مشروع يترنح تحت أعباء أزماته، وآخر يتقدم بخطوات محسوبة نحو الاستقرار، يتضح أن المستقبل لن يكون لمن يصرّ على العيش في صراعات الأمس، بل لمن يختار ما هو الأفضل لوطنه وشعبه.

المصدر: وكالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *