الفصائل العراقية وغيرها… أذرع تُحرَق عند الحاجة كما أثبتت مفاوضات طهران بالسابق
إذا كان ثمة ما يكشف حقيقة نظرة إيران إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بها في المنطقة، فهو ما تسرّب مرارًا خلال جولات تفاوضية سابقة عن استعداد طهران للتخلي عن أذرعها العسكرية—بما فيها الفصائل العراقية—متى ما اقتضت مصلحتها الاستراتيجية ذلك. هذا المعطى وحده كافٍ لفهم طبيعة العلاقة: ليست شراكة، بل استخدام واستغلال.
إيران لم تُنشئ هذه الفصائل بدافع “نصرة القضايا” أو “حماية الشعوب”، بل باعتبارها خط دفاع متقدّم عن أراضيها، يُدار في جغرافيا بعيدة عنها، ويُستنزف فيها الدم والاقتصاد والاستقرار… بينما تبقى هي خارج دائرة النار المباشرة. وحين تتصاعد الضغوط أو تشتد المواجهة، لا تتردد طهران في استخدام هذه الأذرع للرد، أو—إن لزم الأمر—المقايضة بها على طاولة التفاوض.
الفصائل: أوراق لا أكثر
هذا الواقع يفرض على الفصائل المسلحة في العراق والحوثي وغيرها وقفة صريحة مع النفس. فالتجربة أثبتت أن هذه الجماعات لا تمثّل أولوية لإيران، ولا تشكّل جزءًا من أمنها الداخلي المباشر. هي أوراق ضغط تُحرَّك حين يفيد تحريكها، وتُحرَق حين يصبح الاحتفاظ بها عبئًا.
والأخطر أن ثمن هذا “الدور الوظيفي” لا تدفعه طهران، بل تدفعه الدول التي تحتضن هذه الفصائل: تعطيل الدولة، ضرب الاقتصاد، تقويض السيادة، واستدامة الفوضى.
العراق… بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى
في الحالة العراقية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل مصلحة العراق في البقاء ساحة رسائل إيرانية، أم في بناء دولة مستقلة قادرة على النهوض؟
العراق لا يمكن أن يتقدّم في ظل سلاح خارج إطار الدولة، ولا يمكن أن ينعم بالاستقرار بينما يُزجّ به في صراعات لا تخدم شعبه ولا مستقبله.
المفارقة أن إيران نفسها تعيش اليوم أزمة داخلية خانقة: احتجاجات يومية، غضب شعبي متصاعد، وتراجع القدرة على السيطرة الكاملة على الشارع. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تصدير الأزمات للخارج خيارًا مغريًا، لا حبًا بالوكلاء، بل هروبًا من الضغط الداخلي.
الطريق إلى المستقبل
إذا كان الهدف هو عراق مزدهر، منفتح، وذي سيادة، فإن الخطوة الأولى تبدأ بإدراك حقيقة اللعبة: إيران لا تريد سلامًا حقيقيًا في العراق إذا كان هذا السلام سيُنتج دولة قوية مستقلة عن نفوذها. والفصائل التي تراهن على “التحالف العقائدي” ستكتشف—إن لم تكن قد اكتشفت بالفعل—أنها آخر ما تفكّر فيه طهران.
الرهان الرابح ليس في الارتهان للخارج، بل في الانحياز للدولة، للشعب، وللمستقبل. فالتاريخ علّمنا أن الدخيل ينجو دائمًا، بينما تُترك الأدوات لمصيرها.
المصدر: وكالات
