تحت حكم القمع.. إيران بين أسوأ دول العالم في الإنترنت واستمرار العزلة الرقمية الخانقة

0
تحت حكم القمع.. إيران بين أسوأ دول العالم في الإنترنت واستمرار العزلة الرقمية الخانقة

يعكس التقرير السادس عن وضع الإنترنت في إيران جانباً آخر من معاناة الإيرانيين تحت نظام يضع السيطرة والقمع قبل احتياجات الناس. فبينما يواجه المواطنون أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة، يواصل النظام فرض قيود شديدة على الإنترنت، ليحرم الإيرانيين من أحد أهم وسائل العمل والتواصل والحصول على المعلومات.

وحتى تقديم التقرير نفسه كان مثالاً على هذا الواقع. فقد جرى إرساله إلى الصحفيين بصيغة PDF بعد تأجيلات متكررة، واستغرق تحميل ملف لا يتجاوز حجمه 8 ميغابايت نحو نصف ساعة عبر تطبيق بله، وذلك في اليوم الحادي والخمسين من انقطاع الإنترنت الذي بدأ مع الحرب.

ويظهر التقرير أن إيران لا تزال ضمن أسوأ عشر دول في العالم من حيث جودة الإنترنت والانقطاعات والرقابة. بل إن الوضع ازداد سوءاً مقارنة بالسنوات الماضية، رغم وعود الحكومة بتحسين الخدمات وتقليل القيود. وعلى العكس، سجلت إيران رقماً قياسياً جديداً باعتبارها صاحبة أطول فترة انقطاع مستمر للإنترنت، منذ 28 فبراير وحتى اليوم.

لكن المشكلة بالنسبة للإيرانيين لا تتعلق فقط بسرعة الاتصال أو بطئه، بل بما يعنيه ذلك في حياتهم اليومية. ففي بلد يعتمد فيه ملايين الأشخاص على الإنترنت للعمل والدراسة والتجارة، أدى قطع الشبكة إلى فقدان وظائف، وإغلاق مشاريع صغيرة، وحرمان كثير من الأسر من مصدر دخلها الوحيد.

وكانت فئات واسعة من الإيرانيين تعتمد على Instagram ووسائل التواصل الاجتماعي لتشغيل أعمال صغيرة وبيع المنتجات والخدمات. لكن مع انقطاع الإنترنت، وجد كثيرون أنفسهم عاجزين عن العمل، فيما خسر آخرون زبائنهم ومداخيلهم بين ليلة وضحاها.

ويكشف التقرير أن إيران شهدت ثلاث موجات رئيسية من الانقطاع خلال العام الماضي. الأولى كانت بين 8 و18 يناير، عندما انقطع الإنترنت بالكامل تقريباً. أما الثانية فتمثلت في نظام “الإنترنت الأبيض” أو “القائمة البيضاء”، حيث سمح النظام بالوصول إلى عدد محدود جداً من المواقع لفئات معينة فقط، في محاولة لإحكام السيطرة على ما يراه الإيرانيون وما يمكنهم الوصول إليه.

وخلال تلك الفترة، حتى الخدمات المحلية التي يروج لها النظام باعتبارها بديلاً للإنترنت العالمي لم تعمل بصورة طبيعية، ما كشف فشل فكرة “الشبكة الوطنية للمعلومات” التي أنفقت عليها الدولة مليارات الدولارات.

أما المرحلة الثالثة، فهي الانقطاع المستمر منذ اندلاع الحرب، والذي تجاوز خمسين يوماً، من دون أي أفق واضح لعودة الإنترنت بصورة طبيعية. وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، فإن هذا الانقطاع لم يكن مجرد إجراء أمني، بل شكل عقاباً جماعياً للمواطنين.

ويضع التقرير إيران في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الرقابة على الإنترنت، بعد الصين وميانمار، إذ تسجل 39% من عمليات الحجب ضمن النطاقات المدروسة. كما تحتل المرتبة 92 من أصل 100 دولة في سرعة الإنترنت.

وهذا يعني أن الإيرانيين لا يعانون فقط من القمع السياسي والاقتصادي، بل أيضاً من العيش في واحدة من أكثر البيئات الرقمية تقييداً في العالم. ففي الوقت الذي يستخدم فيه الناس في معظم دول العالم الإنترنت للعمل والتعلم والتواصل بحرية، يجد الإيرانيون أنفسهم محاصرين داخل شبكة بطيئة، مراقبة، ومهددة بالانقطاع في أي لحظة.

ويرى كثيرون أن ما يحدث يكشف أولويات النظام بوضوح. فبدلاً من تحسين حياة الناس أو الاستثمار في البنية التحتية والخدمات، يفضل النظام إنفاق الأموال على الأجهزة الأمنية والرقابة والمشاريع العسكرية. وحتى الإنترنت، الذي يمكن أن يساعد الإيرانيين على تجاوز جزء من أزماتهم، أصبح بالنسبة للسلطات أداة يجب التحكم بها ومنعها إذا شعرت بأنها قد تهدد بقاء النظام.

وفي النهاية، لا يبدو أن النظام يرى في الإنترنت حقاً للمواطنين، بل خطراً يجب السيطرة عليه. ولهذا، يدفع الإيرانيون الثمن مرة أخرى: عزلة أكبر، فقر أكثر، وأمل أقل في بلد يضع النظام نفسه فوق كل شيء.

المصدر: وكالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *