تصعيدا لافتا في خطاب الفصائل الموالية لطهران في العراق “عمليات انتحارية دعما لإيران”
يشكّل التصعيد الأخير في خطاب الفصائل الموالية لطهران في العراق، ولا سيما التلويح بـ«عمليات انتحارية دعماً لإيران»، منعطفاً خطيراً يسلّط الضوء مجدداً على الكلفة الباهظة لسياسة الارتهان للخارج، وعلى النتائج الكارثية التي خلّفها الولاء لإيران في دول الشرق الأوسط خلال العقود الماضية.
هذا الخطاب لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لدور إيران الإقليمي، القائم على توظيف السلاح والعقيدة والميليشيات لتحقيق نفوذ سياسي، ولو كان الثمن تدمير الدول من الداخل. فمن العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، لم تنتج هذه السياسة سوى الفوضى، وانهيار مؤسسات الدولة، واستنزاف الموارد، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، في حين بقيت الشعوب أسيرة الأزمات والفقر وانعدام الاستقرار.
في العراق تحديداً، يعيد التهديد بعمليات انتحارية إلى الأذهان أكثر الفصول دموية في تاريخ البلاد، حين تحوّل العراقيون إلى وقود لصراعات لا تخدم مصالحهم الوطنية. فبدلاً من حماية السيادة وبناء دولة قوية، جرى جرّ العراق مراراً إلى صراعات إقليمية، ودُفع شبابه للموت باسم «الدعم» و«الولاء»، بينما تعطّلت التنمية، وتآكل الاقتصاد، وتراجعت الخدمات الأساسية.
اللافت أن هذا التصعيد يأتي في وقت تواجه فيه إيران نفسها أزمات داخلية خانقة، من احتجاجات شعبية واسعة إلى انهيار اقتصادي وضغوط دولية متزايدة. ومع ذلك، تصرّ بعض الفصائل على تقديم نفسها كخط دفاع متقدم عن طهران، حتى لو كان ذلك على حساب أمن العراق واستقراره ومستقبل أبنائه. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: ما الذي جناه العراق فعلياً من هذا الولاء سوى الدمار والعزلة؟
التجربة أثبتت أن ربط مصير الدول بمشاريع عابرة للحدود، تقوم على السلاح والمواجهة الدائمة، لا يبني أوطاناً ولا يحمي شعوباً. بل يحوّلها إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، ويُبقيها رهينة لأجندات لا تعترف بمفهوم الدولة أو المصلحة الوطنية.
إن الدعوات إلى «عمليات انتحارية» ليست فقط تهديداً أمنياً، بل إعلان إفلاس سياسي وأخلاقي. فهي تعبّر عن عجز هذا النهج عن تقديم أي مشروع حياة، وتؤكد أن الولاء لإيران، كما أثبتت الوقائع في أكثر من بلد، لم ينتج إلا الدمار والخراب والدماء، بينما الطريق الوحيد للخلاص يكمن في الولاء للأوطان، وبناء دول قوية تحمي شعوبها، لا التضحية بها في معارك الآخرين.
المصدر: وكالات
