لحظة الاختبار: مستقبل العلاقة بين الفصائل المسلحة وطهران مقابل علاقتها بالدولة العراقية ومصالحها الوطنية
تضع التطورات المتسارعة في المنطقة، ولا سيما ما تشهده إيران من توترات داخلية متفاقمة وضغوط خارجية متزايدة، الفصائل المسلحة في العراق أمام لحظة اختبار حساسة ومعقّدة. لحظة تتداخل فيها الاعتبارات العقائدية مع الحسابات السياسية والأمنية، في ظل تصاعد الحديث عن احتمالات التصعيد الإقليمي، وما قد يترتب عليه من تداعيات مباشرة على الداخل العراقي.
لم يعد المشهد الإقليمي مستقرًا أو قابلًا للتنبؤ. إيران، التي شكّلت لعقود مرجعية عقائدية واستراتيجية لعدد من هذه الفصائل، تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة: احتجاجات داخلية، أزمة اقتصادية خانقة، وعزلة دولية متصاعدة. هذه المتغيرات تفرض واقعًا جديدًا، وتفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقة بين الفصائل المسلحة وطهران، مقابل علاقتها بالدولة العراقية ومصالحها الوطنية.
موقف مُحرج ومعادلة صعبة
في هذا السياق، بات موقف الفصائل المسلحة في العراق محرجًا ومعقّدًا. فهي تقف بين ولاءات عقائدية تاريخية، وبين واقع سياسي وأمني عراقي لا يحتمل مزيدًا من المغامرات. فالعراق، الخارج تدريجيًا من دوامة الحروب والأزمات، لا يملك ترف الدخول في صراعات بالوكالة أو تحمّل كلفة تصعيد إقليمي لا ناقة له فيه ولا جمل.
الأسئلة التي تواجهها هذه الفصائل اليوم لم تعد تكتيكية أو مرحلية، بل أسئلة مصيرية:
ماذا لو دخلت إيران مرحلة انكفاء أو مواجهة مباشرة؟
هل ستبقى هذه الفصائل جزءًا من مشروع إقليمي، أم ستعيد تعريف دورها ضمن الدولة العراقية؟
وما هو الثمن الذي سيدفعه العراق إذا اختارت بعض الأطراف الانجرار إلى صدامات خارجية؟
ميل متزايد نحو منطق الدولة
في مقابل هذه التعقيدات، تشير قراءات عديدة إلى أن بعض الفصائل قد تميل إلى التماهي مع الدولة العراقية، وتغليب منطق المصالح الوطنية على منطق الاصطفافات الخارجية. هذا الميل لا ينطلق من تخلٍّ عن القناعات، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة المرحلة، وضرورة تجنّب أي صدام داخلي أو خارجي قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
الأهم أن كثيرًا من هذه الفصائل لا ترغب اليوم في التحرك بمنطق ردود الفعل، ولا في استنساخ تجارب إقليمية أثبتت فشلها، كما حدث في ساحات تحولت إلى حروب مفتوحة ودمار شامل، حيث انتهت الجماعات المسلحة إلى أوراق محترقة في صراعات أكبر منها.
خصوصية العراق وخيار السيادة
ينطلق هذا الحذر من خصوصية الواقع العراقي: مجتمع متنوع، دولة تسعى لترسيخ مؤسساتها، واقتصاد يحتاج إلى الاستقرار والانفتاح لا إلى العقوبات والعزلة. ومن هنا، تبرز قناعة متنامية بأن حماية السيادة العراقية ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، يجب أن تكون أولوية تتقدم على أي اعتبار آخر.
العراق يقف اليوم عند مفترق طرق. والفصائل المسلحة، شئنا أم أبينا، جزء من هذا المشهد. إما أن تكون جزءًا من معادلة الاستقرار وبناء الدولة، أو أن تُزجّ في صراعات تستنزفها وتستنزف معها البلاد.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الخيارات بمدى انسجامها مع الماضي، بل بقدرتها على حماية المستقبل. والعراق، بكل وضوح، يحتاج اليوم إلى مستقبل تُصان فيه السيادة، ويُقدَّم فيه منطق الدولة على منطق الساحات المفتوحة.
المصدر: الشرق الأوسط
