“الباسيج”… ذراع النظام الإيراني بين المجتمع والقمع

0
“الباسيج”… ذراع النظام الإيراني بين المجتمع والقمع

لم يعد “الباسيج” مجرد جهاز ثانوي أو قوة رديفة في إيران، بل أصبح أحد أهم أعمدة النظام، خصوصاً في أوقات الأزمات الداخلية والتوترات الخارجية. ومع تصاعد الأحداث في البلاد واستهداف بعض مواقعه وقياداته، عاد هذا الجهاز إلى واجهة المشهد، ليس فقط كقوة أمنية، بل كأداة مركزية لفهم كيفية إدارة النظام الإيراني لعلاقته بالمجتمع.

تأسس “الباسيج” في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، عندما دعا روح الله الخميني إلى تشكيل ما عُرف بـ“جيش العشرين مليوناً”. لم يكن الهدف إنشاء وحدة عسكرية تقليدية، بل بناء منظومة تعبئة شعبية قادرة على تحويل المجتمع إلى قوة دفاعية شاملة، تُستخدم عند الحاجة لحماية النظام ومواجهة التهديدات. ومنذ البداية، حملت هذه الفكرة بُعداً سياسياً وأيديولوجياً يتجاوز المفهوم العسكري البحت.

لكن التحول الحقيقي للباسيج جاء مع اندلاع الحرب الإيرانية–العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أصبح مصدراً رئيسياً لتزويد الجبهات بالمقاتلين. خلال تلك المرحلة، ترسخت صورة الباسيج كرمز للتضحية والشهادة، واكتسب شرعية قوية داخل النظام، ما ساهم في تثبيت مكانته كجزء لا يتجزأ من بنية الدولة.

مع مرور الوقت، تم تقنين وجود الباسيج وإدماجه ضمن هيكل الحرس الثوري تحت اسم “باسيج المستضعفين”، ليصبح جهازاً رسمياً له أدوار محددة تشمل التدريب العسكري، التعبئة العقائدية، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية والخدمية. غير أن هذا الدور “المدني” لم يلغِ وظيفته الأساسية، بل شكّل غطاءً لانتشاره الواسع داخل المجتمع.

اليوم، يعمل الباسيج كشبكة تنظيمية معقدة تمتد عبر جميع مستويات المجتمع الإيراني. يبدأ هيكله من قيادة مركزية مرتبطة بالحرس الثوري، مروراً بالمحافظات والمناطق، وصولاً إلى خلايا صغيرة داخل الأحياء والجامعات والمدارس وأماكن العمل. هذه البنية تتيح له الانتشار الأفقي الواسع مع الحفاظ على سيطرة مركزية صارمة، ما يجعله قادراً على التحرك بسرعة وكفاءة عند الحاجة.

كما أن للباسيج فروعاً متخصصة تستهدف مختلف شرائح المجتمع، من الطلاب والعمال إلى الموظفين والمهنيين، ما يمنحه حضوراً يومياً عميقاً داخل الحياة الاجتماعية. وفي الظروف العادية، يظهر هذا الحضور من خلال أنشطة ثقافية وخدمية أو مشاريع في المناطق الفقيرة، الأمر الذي يساعد على ترسيخ وجوده كجزء من النسيج المجتمعي.

لكن هذا الوجه “الناعم” يتغير بسرعة في أوقات الأزمات. فعند اندلاع الاحتجاجات أو تصاعد التوترات، يتحول الباسيج إلى أداة أمنية فعالة تُستخدم في ضبط الشارع وقمع التحركات المعارضة. وهنا تتجلى وظيفته الأساسية كجهاز يقف في المسافة الفاصلة بين المجتمع والسلطة، يعمل من داخل المجتمع نفسه لمنع أي انفصال أو تمرد واسع.

ويكمن الفرق الأساسي بينه وبين الحرس الثوري في أن الأخير يمثل المؤسسة العسكرية والأمنية المركزية، بينما يشكل الباسيج الامتداد الشعبي لهذه المؤسسة داخل المجتمع. هذا الترابط الوثيق يجعل من الباسيج أداة استراتيجية تتيح للنظام فرض نفوذه ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال الحضور الاجتماعي والتنظيمي العميق.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى الباسيج كقوة عسكرية تقليدية، بل كنموذج متكامل يسعى إلى دمج المجتمع ضمن منظومة السلطة. فهو جهاز يجمع بين التعبئة الأيديولوجية والانتشار الاجتماعي والوظيفة الأمنية، ما يجعله أحد أبرز أدوات النظام في الحفاظ على استقراره واستمراريته، حتى في أصعب الظروف.

المصدر: وكالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *