في محاولة لكسب أصوات المحافظين الأتراك.. زعيم المعارضة العلمانية يطرح مشروع قانون “حماية المحجبات”

في خطوة مفاجئة وغير تقليدية، أعلن كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري العلماني، أكبر أحزاب المعارضة التركية، قرارَ حزبه تقديم مشروع قانون للبرلمان التركي يتعلق بحماية حقوق المحجبات والحريات الشخصية المتعلقة بارتداء الملابس. وهي مبادرة أجمع مراقبون على أنها تهدف إلى “خلط الأوراق” ومحاولة لـ”سحب لورقة المحجبات من حزب العدالة والتنمية الحاكم” في إطار مسعى لكسب أصوات المحافظين الأتراك في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة والمقررة منتصف يونيو/ حزيران المقبل.

ومنذ أشهر، كثف زعيم المعارضة التركية حملاته التحضيرية للانتخابات، وسط مؤشرات قوية على نيته الترشح للانتخابات الرئاسية، ويصنف على أنه انتقل من مرحلة الدفاع والرد على انتقادات الحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان، إلى استراتيجية مختلفة تتمثل في “الهجوم المنظم” وذلك عبر محاولة فرض أجندة الإعلام والسياسة التركية عبر المبادرة بطرح ملفات حساسة يهدف من خلالها إلى استدراج الحكومة للرد عليها و”إحراجها” أمام الرأي العام.

ومنذ عقود طويلة، يُنسب إلى حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك قبل نحو 100 عام، كافة القرارات والإجراءات العلمانية المتشددة التي استهدفت المحافظين في البلاد، ومنها سنّ القوانين التي حاربت ارتداء الحجاب ومنع الدخول فيه إلى المؤسسات التعليمية والصحية. وهي القوانين التي بقيت مطبقة حتى سنوات قريبة قبل أن يتمكن حزب العدالة والتنمية الحاكم من تغييرها وفرض واقع جديد في البلاد.

إلا أن كمال كليتشدار أوغلو الذي يطمح للوصول إلى الرئاسة التركية، اعترف في أكثر من مناسبة مؤخراً، بان هذه القرارات “كانت خاطئة” وأن “لا عيب في الاعتراف بالخطأ”، متهماً حزب العدالة والتنمية بـ”استغلال” القضية في كل جولة انتخابية من أجل تحقيق مزيد من الأصوات على حد تعبيره.

وفي هذا الإطار، نشر كليتشدار أوغلو، الإثنين، مقطع فيديو عبر حسابه على تويتر، أعلن فيه قرار حزبه تقديم مشروع قانون للبرلمان التركي ينص على حفظ وحماية حرية ارتداء الملابس والحجاب بشكل خاص “الضمان القانوني للحجاب”، معتبراً أن هدف حزبه من هذا الإجراء، هو إنهاء النقاش حول الملفات القديمة التي تُنهك البلاد وتشغل أجندتها السياسية، وهو ما سيساهم في التركيز على ملفات أكثر أهمية لمصلحة البلاد، بحسب تعبيره.

خطوة كليتشدار أوغلو غير التقليدية، رأى فيها صحافيون وسياسيون أتراك، محاولة للقيام بـ”هجمة مرتدة” وذلك عبر إحراج حزب العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية، اللذين يملكان الأغلبية البرلمانية، حيث المؤكد أن الحزبين لن يصوّتا لصالح مشروع القانون الذي ينوي حزب الشعب الجمهوري تقديمه للبرلمان لعدم منحه فرصة للقول إنه الحزب الذي يسن قوانين لصالح المحجبات، إلا أنهما سيجدان نفسها أمام الاتهامات أيضاً بإعاقة القانون.

وعلقت أوزلام زنقين، مساعدة رئيس حزب العدالة والتنمية، على كلمة كليتشدار أوغلو بالقول: “حظر ارتداء الحجاب انتهى في تركيا رغماً عنكم، وعقب عقود طويلة من تدمير حياة ملايين النساء، وبالتالي يتوجب عليكم الاعتذار بصدق أو الصمت”.

من جهته، عقّب زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشيلي، على خطوة الشعب الجمهوري بالقول إن “مسألة الحجاب حُلت في تركيا”، معتبراً أن محاولة سن قانون جديد هي “محاولة استغلال واستثمار”، وقال: “لو كان كليتشدار أوغلو لديه كل هذه الحساسية اتجاه مسألة الحجاب، فليبدأ بحل المسألة من نواب حزبه” في البرلمان، وذلك في إشارة إلى أن العديد من قيادات الحزب لا زالت تطلق تصريحات معادية للحجاب.

وبينما أعاد مغردون من أنصار العدالة والتنمية نشر مقاطع فيديو لكليتشدار أوغلو وقيادات أخرى من حزب الشعب الجمهوري كانوا يهاجمون فيها ارتداء الحجاب، هاجم مغردون من أنصار الشعب الجمهوري محاولات حزبهم للتقرب من الناخبين المحافظين عبر “الابتعاد عن مبادئ العلمانية التي تحكم الحزب والدولة”.

ويعتبر المحافظون في تركيا هم الكتلة الأكبر والشريحة الأوسع القادرة على منح الفوز لأي حزب سياسي جديد في الانتخابات، وعقب سنوات طويلة من المحاولات، اقتنع حزب الشعب الجمهوري أنه لا يمكنه الفوز بالانتخابات وإنهاء حكم أردوغان، إلا من خلال كسب أصوات شريحة من المحافظين، وهي مهمة صعبة للحزب المتهم بقيادة القوانين والإجراءات العلمانية المتشددة ضد المحافظين على مدى عقود في البلاد.

وكانت تجربة الانتخابات المحلية في 2019 بمثابة تحول هام في الحياة السياسية التركية، حيث اختار حزب الشعب الجمهوري مرشحين من خلفيات قومية ومحافظة، ونجح بالفعل من إحداث اختراق كبير في نتائجه بعدما فاز ببلديات كبرى المحافظات التركية وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وأنطاليا من خلال دعاية انتخابية ركزت على احترام كافة شرائح المجتمع والدفاع عن حرية ارتداء الحجاب، حيث ظهرت قيادات الحزب ومرشحوه في مناسبات دينية وطواقم مساعدين تضم محجبات وصولاً لبث مقاطع لمرشح بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو وهو يتلو آيات من القرآن الكريم.

وقبل الانتخابات الرئاسية، يُعتقد أن كلتشدار أوغلو الذي وصف سابقاً الحجاب بأنه “قطعة قماش بطول متر” مستخدماً المصطلح الذي يطلق على القماش المستخدم في عمليات التنظيف، يسعى بقوة لخلط الأوراق وسحب هذه الورقة من يد العدالة والتنمية لبداية “هجوم مضاد” مبني على سردية أنه قدم مشروع لحماية المحجبات إلا أن العدالة والتنمية هو من رفضه، حيث من المؤكد أن الحزب الحاكم لن يسمح بتمرير هكذا قانون من خلال الشعب الجمهوري.

المصدر: القدس العربي