«الإخفاء والتعذيب والتصفية»… «أساليب انتقامية» تعانيها ليبيا منذ القذافي
أحيت مقاطع الفيديو للنائب البرلماني المخطوف إبراهيم الدرسي، وهو مكبّل من عنقه بالسلاسل، في أذهان ليبيين قضايا كثيرة لمواطنين آخرين انقطعت أخبارهم، وطواهم النسيان بعد تعرُّضهم لمصير مشابه، وذلك منذ أيام نظام الرئيس الراحل معمر القذافي حتى الآن.
وتسبب الانفلات الأمني الذي تعانيه ليبيا، بالإضافة إلى تنامي التشكيلات المسلحة على هامش السلطات الحاكمة، واختلاف الولاءات السياسية، في ارتكاب جرائم كثيرة تتنوع ما بين الإخفاء والتعذيب والتصفية، كـ«أساليب انتقامية» من الخصوم، أو لـ«ترهيب الموالين».
وتموج الأوساط السياسية والاجتماعية في ليبيا راهناً، بحالة من الخلافات المتصاعدة منذ ظهور فيديوهات الدرسي بين «مشككين» فيها ينتمون إلى شرق ليبيا، وآخرون من غربها يطالبون بـ«التحقيق الفوري» والكشف عن مصير النائب الذي خُطف من منزله في بنغازي قبل نحو عام.
ويرى حقوقيون ليبيون أن هذه الأساليب والجرائم «تُرتكب من قِبل الأجهزة الأمنية في أنحاء البلاد، سواء في السجون ومقار الاحتجاز، أو في الشوارع العامة إذا لزم الأمر»، مطالبين النيابة العامة بفتح «القضايا القديمة» التي لم تُعلن نتائجها بعد.
وأمام تعدد مثل هذه الجرائم في ليبيا، قال إحميد المرابط الزيداني، المستشار القانوني الليبي والباحث في قضايا حقوق الإنسان، في حديث إلى «الشرق الأوسط» إن عمليات التعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج القانون جميعها «جرائم ضد الإنسانية، وتدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية».
ولفت الزيداني إلى أن المادة الثانية من القانون الليبي رقم 10 لسنة 2013 تنص على أنه «كل من عذب إنساناً بقصد انتزاع اعتراف منه أو نحو ذلك يعاقَب بالسجن 5 سنوات».
وتتنشر في العاصمة الليبية التي تتغوّل فيها الميليشيات المسلحة، عمليات الإخفاء القسري، والتعذيب والتصفية، وفق تقارير حقوقية محلية ودولية. ولا يزال مصير عديدين مجهولاً حتى الآن من بينهم الناشط عبد المعز بانوب، الذي اختفى في يوليو (تموز) 2014 بعدما اقتاده مسلحون من أمام منزله بطرابلس. وعُرف عن بانوب مطالبته بتفكيك سلاح الميليشيات، وحل التشكيلات المسلحة، وتكوين جيش وطني لليبيا.
ويرى أحمد عبد الحكيم رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» أن التعذيب «يمارَس في سجون ليبيا كافة بأبشع الوسائل، ولا ينكره إلا مستفيد أو كذاب»، وقال: «هذه الوسائل ممتدة من عهد (سبتمبر/ أيلول)، في إشارة إلى عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، وحتى (فبراير / شباط) ويقصد «ثورة 17 فبراير» 2011، لافتاً إلى أنها ستستمر في قادم الأيام؛ «لأنها نتاج ثقافة متجذرة فينا، وليس من السهل محوها».
والخطف في طرابلس لا يتوقف على الأفراد، بل يشمل الوزراء وحتى مسؤولي الجهات السيادية.
وكان مجهولون في طرابلس قد خطفوا ضابط الاستخبارات العميد مصطفى الوحيشي، مدير إدارة الأمن المركزية بجهاز الاستخبارات من أمام مقر عمله في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وأُطْلِقَ سراحه بعد أسبوع عقب توترات أمنية بالعاصمة.
وفي نهاية مارس (آذار) الماضي 2025 توسط محمد المنفي رئيس «المجلس الرئاسي» للإفراج عن عضو مجلس النواب عن ترهونة حسن جاب الله، الذي سجن منذ مارس 2023، وسلمه إلى وفد من مشايخ وأعيان مدينته.
الإخفاء والتعذيب والقتل خارج القانون، «أساليب انتقامية» تلجأ إليها بعض الجهات الأمنية والعسكرية في ليبيا لـ«تأديب الخصوم، أو لترهيب الموالاة»، بحسب حقوقي ليبي، رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، مشيراً إلى أنه في شرق ليبيا وغربها «ارتُكبت جرائم كثيرة من هذه النوعية».
وضرب الحقوقي الليبي مثلاً بكثرة الشخصيات التي تمت تصفيتها في شرق ليبيا. وذكر المحامية والناشطة حنان البرعصي، وفريحة البركاوي، عضو «المؤتمر الوطني العام»، والنائبة سلوى بوقعيقيص، التي خُطفت من قلب منزلها في مدينة بنغازي منتصف يوليو عام 2019، بعد ساعات من تصريحها بضرورة حقن الدماء، ووقف حرب طرابلس.
وتعد جرائم الاغتيالات السياسية واحدة من عمليات التصفية التي تستهدف الخصوم السياسيين منذ العقد الماضي، وقد أصبحت كابوساً يترصد السياسيات الليبيات اللاتي خرجن للمطالبة بحقوقهن في العمل السياسي والاجتماعي. واغتيلت البركاوي، بمدينة درنة، في 17 يوليو عام 2014.
المصدر: الشرق الأوسط
