الفاشر في أسوأ أوضاعها والجيش يحبط محاولات تسلل لـ”الدعم السريع”
في وقت تزداد الأوضاع الإنسانية سوءاً في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، التي أدت إلى فرار ما تبقى من سكانها ونازحيها صوب قرى ومناطق الولاية الأقل توتراً، تواصلت عمليات القصف المدفعي المتبادل بصورة عنيفة ومكثفة بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، وأحبط الجيش عملية تسلل لـ”الدعم السريع” من الناحية الجنوبية للمدينة بهدف التقدم باتجاه مواقع إستراتيجية.
ووفقاً لمصادر عسكرية، فإن قوات الجيش استخدمت المدفعية الثقيلة والطيران الحربي لصد القوات المتسللة، مما أجبرها على التراجع بعد تكبدها خسائر بشرية ومادية، مشيرة إلى أن الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة يقومان حالياً بحركة تمشيط واسعة داخل الأحياء السكنية والمواقع الإستراتيجية في المدينة.
وأشارت المصادر إلى أن “الجيش يمسك بزمام الوضع داخل المدينة ويواصل ضغطه على ميليشيات “الدعم السريع” التي باتت بسبب الإنهاك تستهدف المدنيين بقصفها المدفعي العشوائي”، مؤكدة أنه من المستحيل أن تتقدم شبراً من مواقعها داخل المدينة.
تحول نوعي
قال الباحث في الشؤون العسكرية الرائد محمد مقلد “إنه في اطار التحول النوعي لسير العمليات بمدينة الفاشر، ومحاولة كسر واختراق دفاعات الجيش في هذه المدينة، نجد أن قوات ’الدعم السريع‘ تمكنت من إحكام سيطرتها على كل الطرق والمداخل المؤدية والخارجة للمدينة، حيث قطعت كل خطوط الإمداد التي كانت من خلالها تصل للفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش من مواد تموينية وذخائر ووقود وأسلحة ومركبات، وشمل القطع طريق الدبة-المالحة، وطريق الطينة-المثلث-المالحة بعدما تم دحر القوة المشتركة والسيطرة على مليط وجبل العطرون وجبل عيسي وزمزم وأم كدادة”.
وأوضح مقلد في حديثه إلى “اندبندنت عربية” أن “بهذا التفوق الميداني وإحكام القبضة على الفاشر يصبح من الصعوبة بمكان الدفع أو الإسناد بأية قوات أو متحركات لفك الحصار عن المدينة، إضافة إلى صعوبة الإسقاط الجوي لأية مواد أو حاجات للفرقة وبخاصة أن خطوط الالتماس بين القوات أصبحت متقاربة ولا تتعدى بضعة كيلومترات، فضلاً عن امتلاك قوات ’الدعم السريع‘ منظومات دفاع جوي متطورة تشكل تهديداً مباشراً لطيران الجيش”.
وأردف الباحث في الشؤون العسكرية، “من خلال قراءتي للمشهد العملياتي في الفاشر بات واضحاً أن قوات ’الدعم السريع‘ تبحث عن السيطرة على الفرقة السادسة مشاة بأقل الخسائر من خلال إنهاك وانهيار القوات المحاصرة معنوياً وفقدانها لكل معينات الحياة، ونلحظ أن أعداداً من الأفراد قد بدأوا التسلل والخروج من مقر الفرقة السادسة والتسليم لقوات ’الدعم السريع‘ مما يوحي بأن سقوطها أصبح مسألة وقت ليس أكثر”.
نداء عاجل
من جانبه، قال المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور آدم رجال إن “الوضع الإنساني بمخيمات النازحين في دارفور بلغ مرحلة بالغة الخطورة، حيث يفقد الناس حياتهم يومياً بسبب الجوع والعطش والمرض نتيجة للأوضاع المعقدة التي تمر بها البلاد، والظروف القاسية التي يعيش فيها النازحون في مخيمات أشبه بالمعتقلات، إذ يعانون مآسي منسية وآلاماً ممتدة، في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، بينما يصمت العالم كأنه في غيبوبة تامة”.
وأضاف “يستمر تدفق النازحين بصورة جماعية من مخيمي زمزم وأبو شوك نحو منطقة طويلة (تبعد 64 كيلومتراً عن الفاشر)، حيث وصل خلال يومي الـ18 والـ19 من أبريل (نيسان) ما يقارب 7303 نازحين، ليرتفع العدد الإجمالي للنازحين منذ الثالث من أبريل وحتى الـ19 منه إلى نحو 288706 أشخاص من دون احتساب من سبقوهم في النزوح”.
وأشار إلى أن منطقة طويلة تستضيف الآن أكثر من مليون ونصف المليون نازح، وامتد هذا النزوح إلى جبل مرة، وفنقا، ودربات، وروكرو، وقولو، ونيرتيتي، ومناطق أخرى.
وواصل رجال، “هذه الحال تمثل كارثة إنسانية حقيقية وتتطلب استجابة عاجلة من أجل إنقاذ حياة آلاف البشر، وبخاصة النساء والأطفال، الذين يواجهون خطر المجاعة والعطش والمرض والصدمات النفسية، بعد ما عانوه قبل الوصول إلى منطقة طويلة”.
وتابع، “إننا في المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين ومن منطلق الواجب الإنساني نناشد كل السودانيين في الخارج وكل أصحاب القلوب الرحيمة والمبادرات المجتمعية إلى تقديم الدعم للنازحين في طويلة، وجبل مرة، وعموم مناطق دارفور وسائر أنحاء السودان، ولو بالقليل: قطرة ماء، أو حبة دواء”.
وجدد النداء إلى المجتمع الدولي، والأمم المتحدة ووكالاتها والاتحادين الأفريقي والأوروبي، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكل المنظمات الإقليمية والدولية، من أجل التحرك العاجل لتقديم المساعدات الإنسانية وتوفير المواد الغذائية وغير الغذائية، التي تشمل الحاجات العاجلة، بحسب الأولوية، إضافة إلى مواد الإيواء وهي متطلبات تمثل الحد الأدنى لضمان بقاء الأسر النازحة على قيد الحياة بكرامة وتخفيف المعاناة في هذا الظرف الكارثي.
إجلاء مدنيين
من جهته، أوضح رئيس حركة تحرير السودان (المجلس الانتقالي) الهادي إدريس، أنهم يخططون لإجلاء ما يزيد على 100 ألف أسرة من مدينة الفاشر، والمعسكرات المحيطة بها خلال الأيام المقبلة، مبيناً أن إفراغ المدينة من كامل السكان السبيل الوحيد للحفاظ على أرواحهم.
وقال الهادي إدريس، وهو أيضاً قيادي في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، “حتى الآن أجلينا أكثر من 50 ألف أسرة من مدينة الفاشر نحو طويلة وكورما في الجزء الغربي من المدينة”.
وأشار إلى وجود آخرين لا يزالون عالقين في شقرة قرب زمزم، لافتاً إلى أن قوات الحركة ترابط حالياً في الطرقات وتقدم المعونات الغذائية ومياه الشرب.
ووصف إدريس إخراج مواطني مدينة الفاشر والمعسكرات المحيطة بها من خطوط النار بأنه أكبر عملية إجلاء حدثت في التاريخ من مناطق خط النار إلى أماكن أكثر أمناً.
ونوه إلى أن إخلاء الفاشر من السكان هو الأمل الوحيد للحفاظ على أرواح المدنيين، في ظل تعذر التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو هدنة، لإصرار الأطراف على الحرب واستخدام المدنيين دروعاً بشرية.
المصدر: اندبندنت عربية
