من الخردة إلى السلطة… الحوثيون يستحوذون على الاقتصاد اليمني ويغلقون السوق باسم الاكتفاء
ترى مصادر اقتصادية يمنية أن المشروع الحقيقي الذي تدفع به جماعة الحوثيين اليوم ليس “النهضة الصناعية” التي يروّجون لها، بل تأمين نفوذ اقتصادي طويل الأمد يضمن لهم البقاء في المعادلة السياسية، حتى لو تغيّر شكل السلطة أو توزّعت مراكز القرار مستقبلاً. فالجماعة – بوصفها أقلية طائفية – تدرك أن السيطرة الاقتصادية هي الطريق الأضمن لبسط النفوذ السياسي، خصوصاً في مستقبل قد لا يمنحها تمثيلاً برلمانياً يسمح لها بالتحكم منفردة بالقرار الوطني في اليمن.
“صناعة محلية” على الورق… وطبقة اقتصادية جديدة داخل الجماعة
تؤكد المصادر الاقتصادية أن الخطاب الحوثي المتكرر حول “صناعة وطنية” ليس سوى غطاء سياسي واقتصادي لخلق طبقة مالية جديدة ترتبط بالجماعة مباشرة، بحيث تحلّ محل رجال الأعمال التقليديين، وتُمكّن الحوثيين من التحكم بسوق السلع الأساسية والقطاعات الإنتاجية.
وتوضح المصادر أن اليمن لا يمتلك: المواد الخام لصناعة الملابس (منها القطن)، مدخلات إنتاج المواسير والأنابيب، الطاقة الإنتاجية أو البنية التحتية الصناعية الفعلية
ورغم ذلك، يروّج الحوثيون لما يسمّونه “إنتاجاً محلياً”، يعتمد في الحقيقة على إعادة تدوير الخردة أو تصنيع منتجات منخفضة الجودة تُسوّق على أنها يمنية الصنع.
ومن الأمثلة البارزة على هذا النهج، منع الجماعة استيراد الألبان قبل تركيب مصنع لإنتاجه محلياً، رغم أن قدرة المصنع على تلبية الطلب محلّ شك كبير، وأن معظم المواد الأولية مستوردة بالكامل.
الاستحواذ على قطاع الحديد… من جمع الخردة إلى صناعة وهمية
تشير المصادر إلى أن أحد القياديين الحوثيين حصل على تفويض كامل للاستحواذ على قطاع الحديد في مناطق سيطرة الجماعة، عبر شراء الخردة من الأسواق وإعادة صهرها. هذا المشروع كان قائماً في السابق قبل أن يتوقف بسبب:
شح الخردة محلياً، رغبة التجار بتصديرها للاستفادة من فروقات الأسعار
انعدام بيئة الإنتاج بعد الانقلاب، ورغم إعادة إحيائه، إلا أنه بقي مشروعاً بدائياً لا يلبّي الاحتياجات الأساسية للسوق، لكنه يضمن للجماعة مدخلاً مالياً إضافياً واحتكاراً لقطاع حيوي.
قرارات منع الاستيراد… اقتصاد مغلق يخدم الطبقة الحوثية الجديدة
أصدرت وزارات المالية والاقتصاد والصناعة في حكومة الحوثيين (غير المعترف بها دولياً) قراراً يمنع استيراد السلع التي “يغطي إنتاجها المحلي احتياجات السوق بشكل كامل”، لكن التجار والمستهلكين أكدوا أن هذا الادعاء غير صحيح، وأن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى نسبة محدودة جداً، وبعضه غير صالح للمنافسة.
ورغم ذلك، شملت قائمة المنع سلعاً أساسية، منها: الألبان السائلة، الحليب المنكّه، المياه المعدنية، المناديل الورقية، الحديد المجلفن، المواسير والأنابيب، الإسفنج الجاهز، الشعير والدخن، “الجنابي” والأحزمة الخاصة بصناعتها
هذه القرارات جعلت السوق اليمني أكثر فقراً للخيارات، وخلقت بيئة احتكارية ترفع الأسعار وتزيد من أرباح مراكز النفوذ الحوثية.
رفع الدولار الجمركي… وزيادة المعاناة الشعبية
زاد الحوثيون الضغط الاقتصادي عبر: رفع الدولار الجمركي بنسبة 100%، تعديل التعرفة الجمركية على السلع ذات الإنتاج المحلي الجزئي، فرض رسوم ضريبية مضاعفة، تقييد كميات الاستيراد
هذه الإجراءات وُجّهت أساساً نحو السلع الاستهلاكية اليومية، ما تسبب بارتفاع كبير في الأسعار، وحرمان ملايين اليمنيين من احتياجات أساسية كانوا يحصلون عليها بصعوبة أصلاً.
ولاانهاية فإن هذه السياسات تكشف أن الهدف الحوثي ليس صناعة وطنية حقيقية، بل إعادة هندسة الاقتصاد ليصبح تحت سيطرة طبقة مالية جديدة مرتبطة بالجماعة، تضمن لها البقاء والنفوذ، حتى لو تراجعت قوتها العسكرية أو تغيّرت المعادلات السياسية.
فبينما يعاني اليمنيون من الفقر وانعدام الأمن الغذائي، تواصل الجماعة بناء اقتصاد مغلق يخدم مشروعاً سياسياً ضيقاً، على حساب مستقبل دولة كاملة تبحث عن فرصة للنجاة.
المصدر: وكالات
