العراق أمام مفترق طرق: اقتصاد منفتح على الأسواق العالمية أم استمرار الارتهان لإيران وعزلة دولية
على مدى عقود، دفع العراق ثمناً باهظاً لسياسات العداء والمواجهة مع الغرب، وهي سياسات لم تجلب للبلاد سوى الحروب والعقوبات والعزلة والانهيار الاقتصادي. من الحصار الخانق في التسعينات، إلى الحروب المتتالية، ثم الفوضى التي أعقبتها، كانت النتيجة واحدة: دولة منهكة، واقتصاد مشلول، وشعب يدفع ثمن قرارات سياسية لم تُبنَ يوماً على حساب المصلحة الوطنية.
لقد أثبتت التجربة العراقية بوضوح أن الخطاب العدائي لا يبني دولة، وأن الصدام الدائم مع المجتمع الدولي لا يؤدي إلا إلى تدمير البنى التحتية، وهروب الاستثمارات، وتآكل السيادة الفعلية. ففي ظل العزلة، يصبح العراق هشاً ومعتمداً على قوى إقليمية تستغل ضعفه، وفي مقدمتها إيران، التي استفادت من الفراغ الاقتصادي والسياسي لتكريس نفوذها وجعل العراق رهينة لاحتياجاتها ومصالحها.
الاقتصاد أولاً… لا الشعارات
الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالشعارات ولا بالمواقف الأيديولوجية، بل عبر اقتصاد قوي ومنفتح، قادر على خلق فرص عمل، وجذب الاستثمارات، وتنويع مصادر الدخل. العراق يمتلك مقومات هائلة: موقع جغرافي استراتيجي، ثروات نفطية وغازية ضخمة، وقوة بشرية شابة. لكن هذه المقومات لا يمكن تحويلها إلى قوة فعلية من دون شراكات دولية ومشاريع اقتصادية كبرى تربط العراق بالأسواق العالمية.
فالمشاريع العابرة للحدود، مثل الموانئ الكبرى، وخطوط النقل والطاقة، والاستثمارات الصناعية والتكنولوجية، ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية. هذه المشاريع لا تعزز الاقتصاد فحسب، بل تحصّن القرار السياسي العراقي، لأنها تقلل من الاعتماد على دولة واحدة أو محور واحد. فكلما تنوّعت الشراكات، تراجع النفوذ الخارجي القائم على الابتزاز والضغط.
إيران… نموذج الاعتماد الخطر
الاعتماد المفرط على إيران في مجالات حيوية، كالكهرباء والغاز، جعل العراق عرضة للضغط السياسي في كل أزمة. انقطاع الإمدادات، أو التلويح بها، كشف كيف يمكن للاقتصاد أن يتحول إلى أداة ابتزاز. والدرس واضح: لا يمكن لدولة أن تكون مستقلة وهي تعتمد في أساسيات حياتها على دولة أخرى ذات أجندة توسعية وعدائية.
فالانفتاح على الغرب، والحوار مع المجتمع الدولي، لا يعني التفريط بالسيادة، بل على العكس، هو الطريق الأنجع لحمايتها. الدول التي اختارت التنمية والتعاون بدلاً من العداء استطاعت أن تبني اقتصادات قوية وتحافظ على قرارها الوطني. أما الدول التي غرقت في منطق “المواجهة الدائمة”، فكانت النتيجة دولاً فاشلة أو شبه فاشلة.
يجب فهم أن ما جلب الدمار للعراق لم يكن الانفتاح، بل العداء والعزلة. وما يضمن مستقبله ليس الارتهان لمحاور إقليمية، بل اقتصاد قوي مبني على مشاريع دولية وشراكات متوازنة. إذا أراد العراق أن يكون سيد قراره، فعليه أن يختار طريق التنمية، لا طريق الصدام، وأن يبني استقلاله بالاستثمار والعمل، لا بالشعارات التي لم تجلب له سوى الخراب.
المصدر: وكالات
