فتوى السيستاني الأخيرة… تأكيد لسيادة العراق واستقلال القرار الشيعي
أثارت الفتوى الأخيرة التي أصدرها المرجع الديني الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني، والتي شدّد فيها على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والدينية. فإلى جانب بعدها الأمني الواضح، يرى بعض المراقبين أن الفتوى تحمل أيضًا رسالة سياسية ضمنية تهدف إلى تأكيد استقلال الموقف الشيعي العراقي عن أي تأثيرات أو وصايات خارجية.
النجف ونهج الاستقلال
منذ عقود، تميّزت مدرسة النجف الدينية، التي يُعد السيستاني أبرز رموزها، بموقفها الرافض لتسييس الدين أو تحويل المرجعية إلى أداة نفوذ خارجي. فالمرجعية النجفية تؤمن بفصل واضح بين الدين والسياسة بمعناها السلطوي، وتؤكد أن دورها ينحصر في توجيه الأمة أخلاقيًا ووطنياً من دون الدخول في لعبة المحاور الإقليمية.
وفي هذا السياق، تأتي فتوى السيستاني لتعيد التأكيد على هذا النهج؛ إذ إن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة العراقية يمكن قراءتها كإصرار على أن يكون القرار الأمني والسياسي نابعًا من بغداد، لا من أي جهة خارج الحدود.
قراءة سياسية للفتوى
يرى محللون أن توقيت الفتوى ليس صدفة، بل يتزامن مع تصاعد النقاش داخل العراق حول دور بعض الفصائل المسلحة ذات الارتباطات الإقليمية، ومع تزايد الضغوط على الحكومة لضبط السلاح المنفلت.
وبحسب هذه القراءة، فإن المرجعية أرادت أن توجّه رسالة مزدوجة:
الأولى إلى الداخل العراقي، تؤكد ضرورة توحيد الصف الشيعي الوطني ضمن إطار الدولة.
والثانية إلى الخارج، تفيد بأن المرجعية في النجف لا تتبع أي أجندة خارجية، وأنها تنطلق من مصلحة العراق أولًا.
استقلال القرار الشيعي العراقي
تاريخيًا، لعبت المرجعية الشيعية العراقية دورًا محوريًا في الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة للطائفة الشيعية، ومنعها من الانزلاق في تبعية لأي جهة إقليمية. وقد تجلّى هذا الموقف بوضوح بعد عام 2003، حين رفض السيستاني مبدأ “ولاية الفقيه السياسية” كما هو معمول به في إيران، مؤكّدًا أن كل دولة لها نظامها ومصلحتها الخاصة.
من هنا، فإن فتوى حصر السلاح بالدولة لا يمكن فصلها عن هذا السياق الفكري والسياسي الأوسع، فهي امتداد لرؤية النجف التي تسعى إلى ترسيخ دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، يُدار فيها القرار الأمني والسياسي من قبل مؤسسات عراقية خالصة.
ولذا فإن فتوى السيد السيستاني الأخيرة تعبّر عن رؤية وطنية مستقلة للعراق ما بعد الصراعات، رؤية تقوم على مبدأ سيادة الدولة ورفض تحويل العراق إلى ساحة نفوذ لأي قوة خارجية.
إنها دعوة صريحة لأن يكون الولاء للوطن أولًا، والدولة فوق الجميع، وهو المبدأ الذي لطالما ميّز خطاب المرجعية النجفية في لحظات التحوّل التاريخية.
المصدر: وكالات
