الاعتماد على الطاقة الإيرانية وتصدير الغاز والكهرباء إلى العراق كورقة ضغط سياسي رغم وفرة الموارد المحلية… بقلم/ عادل عبد الحميد
بقلم/ عادل عبد الحميد
رغم أن العراق يُعدّ من أغنى دول المنطقة بالموارد الطبيعية، لا سيما الغاز والنفط، إلا أنه لا يزال يعتمد بشكل كبير على استيراد الغاز والكهرباء من إيران لتلبية احتياجاته المحلية. هذا الاعتماد، الذي بدأ في السنوات الأخيرة بسبب تدهور البنية التحتية وغياب التخطيط الاستراتيجي، تحوّل إلى ورقة ضغط سياسية بيد طهران، تُستخدم عند الحاجة لخدمة مصالحها الإقليمية.
واقع الاعتماد على الطاقة الإيرانية
وتشير الإحصائيات إلى أن العراق يستورد أكثر من 40% من احتياجاته من الكهرباء والغاز من إيران، وخصوصاً لتشغيل محطات توليد الكهرباء في بغداد والجنوب. وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات طويلة الأمد بين الجانبين، إلا أن إيران لا تتوانى عن قطع الإمدادات أو تقليصها في أوقات الأزمات أو الخلافات السياسية.
وقد حدث هذا فعلاً في عدة مناسبات، أبرزها في فصول الصيف الحارة، عندما أوقفت طهران إمداداتها بحجة تراكم الديون أو الحاجة الداخلية، ما تسبب في انقطاع الكهرباء عن ملايين العراقيين، وفاقم من السخط الشعبي تجاه الحكومة.
وتتعامل إيران مع ملف الطاقة كأداة ضغط فعالة على العراق. ففي كل مرة تحاول فيها بغداد اتخاذ مواقف مستقلة في السياسة الخارجية، أو عندما يزداد الضغط الدولي على طهران بشأن ملفها النووي، تلجأ الأخيرة إلى خفض أو تعليق تصدير الغاز والكهرباء إلى العراق.
كما يتم أحياناً ربط استمرار الإمدادات بمطالب سياسية، كدفع مستحقات مالية بالدولار، رغم العقوبات الدولية على التعامل المالي مع إيران، أو دعم مواقف إقليمية معينة. هذا الاستخدام السياسي للطاقة يضع الحكومة العراقية في موقف ضعيف، ويجعل أمنها الطاقي رهينة للتقلبات الإقليمية.
العراق يمتلك ما يكفي ولكن لا يُستغل
المفارقة الكبرى تكمن في أن العراق يمتلك من الموارد ما يجعله قادراً على تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، بل وحتى تصدير الفائض. فهو يملك خامس أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، ويحتل مرتبة متقدمة في إنتاج النفط. إلا أن سوء الإدارة، الفساد، وغياب الإرادة السياسية حال دون استثمار هذه الموارد بالشكل المطلوب.
على سبيل المثال، يتم إحراق ما يقارب 50% من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بسبب غياب منشآت المعالجة. كما أن مشاريع الطاقة المتجددة لا تزال في مراحلها الأولية، رغم وفرة الإمكانات الشمسية والرياح.
الحل يبدأ من الداخل
لكي يتحرر العراق من هذا النوع من التبعية، عليه أن يعيد النظر في استراتيجياته الطاقية، ويبدأ فعلياً بتطوير قطاع الغاز، وبناء محطات توليد وصيانة شبكة التوزيع. كما ينبغي تقليل الفاقد الكهربائي، الذي يصل في بعض المناطق إلى أكثر من 40%، نتيجة التهالك والتجاوزات.
إضافة إلى ذلك، فإن تنويع الشركاء في مجال الطاقة (سواء من دول الخليج أو عبر الربط مع الأردن وتركيا) يمكن أن يخفف من الهيمنة الإيرانية، ويمنح العراق مساحة أوسع للمناورة السياسية.
وفي الخاتمة فإن الاعتماد على إيران في ملف بالغ الحساسية مثل الطاقة، في ظل توفر بدائل داخلية وخارجية، يعكس خللاً عميقاً في الرؤية والسياسة الطاقية للعراق. ما لم يتم اتخاذ قرارات جريئة لتطوير الموارد الوطنية وتحصين أمن الطاقة، سيظل العراق عرضة للابتزاز السياسي، وسيفقد واحدة من أهم ركائز سيادته الاقتصادية والسياسية.
المصدر: وكالات
