روسيا في سوريا: هل حليفة للنظام الجديد أم حامية لبشار الأسد من المساءلة والعدالة؟ فلا يمكن الجمع بين كلا الأمرين…
منذ تدخلها العسكري المباشر في سوريا عام 2015، لم تُخفِ موسكو حقيقة هدفها الأساسي: حماية النظام السوري بوصفه ركناً مركزياً من أركان نفوذها في الشرق الأوسط. فقد جاء التدخل الروسي في لحظة كان فيها النظام يواجه تهديداً وجودياً، ليشكّل نقطة تحوّل أعادت رسم موازين القوى على الأرض، ورسّخت دور روسيا كلاعب حاسم في المشهد السوري.
غير أن هذا التدخل، الذي رُوّج له تحت عناوين «محاربة الإرهاب» و«حماية الدولة السورية»، سرعان ما اتضح أنه يتجاوز البعد العسكري، ليؤسس لـمظلّة سياسية وأمنية كاملة تحمي رأس النظام من أي مساءلة دولية.
فيتو دائم وحصانة سياسية
على المستوى الدولي، لعبت موسكو دور الحارس السياسي للنظام السوري، مستخدمة حق النقض (الفيتو) عشرات المرات في مجلس الأمن لتعطيل قرارات تتعلق بـالتحقيق في جرائم حرب، وتمديد آليات إيصال المساعدات الإنسانية، وفرض عقوبات أو إحالة ملفات إلى القضاء الدولي
إلى جانب ذلك، عملت روسيا على شلّ المسارات القانونية والحقوقية عبر الطعن في تقارير دولية، ورفض لجان التحقيق المستقلة، وتوفير الغطاء الدبلوماسي لشخصيات متهمة بانتهاكات جسيمة، وبهذا السلوك، لم تعد موسكو مجرد داعم سياسي، بل أصبحت جزءاً من منظومة الحماية المباشرة للنظام.
الضامن المنحاز… تناقض جوهري
في ظل هذه الوقائع، تحاول روسيا اليوم تقديم نفسها بوصفها «ضامناً للتسوية السياسية» في سوريا، سواء من خلال مسارات تفاوضية أو مبادرات دبلوماسية. غير أن هذا الطرح يصطدم بتناقض جوهري لا يمكن تجاوزه ألا وهو أن الضامن لا يمكن أن يكون طرفاً منحازاً.
فالوسيط النزيه يفترض به: الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف، دعم مسارات العدالة والمحاسبة، وحماية حقوق المدنيين. في حين أن الدور الروسي، كما تثبته السنوات الماضية، انحاز بشكل واضح إلى طرف واحد، على حساب الشعب السوري ومطالبه.
حيث يرى مراقبون أن موسكو لا تسعى إلى حل جذري للأزمة السورية، بل إلى إدارتها بما يخدم مصالحها. فبقاء النظام، ولو في حالة ضعف، يضمن لروسيا: قواعد عسكرية دائمة على المتوسط، ورقة تفاوض مع الغرب، ونفوذاً إقليمياً طويل الأمد. أما أي تسوية حقيقية قد تفرض تغييرات سياسية جوهرية، فتبقى خارج حسابات هذا النهج.
نتائج غياب الحياد
إن استمرار تقديم روسيا نفسها كضامن، رغم افتقارها للحياد، يفرغ أي مسار سياسي من مضمونه، ويؤدي إلى: فقدان الثقة بالعملية التفاوضية، إطالة أمد الصراع بشكل غير مباشر، تكريس واقع الإفلات من العقاب، وتعميق عزلة الشعب السوري، ووهذا ما يجعل أي اتفاق لا يتضمن ضمانات دولية مستقلة، وغير خاضعة للنفوذ الروسي، اتفاقاً هشّاً وقابلاً للانهيار.
فمنذ عام 2015، تحوّل الدور الروسي في سوريا من دعم عسكري إلى حصانة سياسية كاملة للنظام السوري. وفي ظل هذا الواقع، تبدو محاولات موسكو للظهور كضامن للتسوية فارغة من مضمونها الحقيقي.
فمن يحمي النظام من المساءلة لا يمكن أن يكون وسيطاً نزيهاً، ومن يعطّل العدالة لا يستطيع أن يرعى سلاماً دائماً.
وأي تسوية تُبنى على هذا التناقض، ستظل ناقصة، وغير مجدية أو فعالة.
المصدر: وكالات
